مليار دولار مفقود… من ترك 1.5 مليون فقير في لبنان بلا حماية؟
بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في آذار 2026، قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حاجة لبنان إلى 1.62 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة التي وضعتها لعام 2026، على أن تتولى الدول المانحة والمجتمع الدولي تأمين التمويل. لكن منذ الربيع الماضي، لم يصل إلى لبنان سوى 622.58 مليون دولار، أي نحو 38% فقط من المبلغ المطلوب، بحسب تقرير صادر عنها في 5 تشرين الأول الجاري، ما حرم نحو 1.5 مليون لبناني من مساعدات إنسانية ملحّة لمواجهة تداعيات الحرب والنزوح وغلاء المعيشة وانهيار الدخل الأسري.
ويأتي ذلك في ظل تباطؤ الدول المانحة في تمويل خطة الاستجابة، وتلكؤ الدولة اللبنانية في تحمّل مسؤولياتها الاجتماعية، ليُترك الفقراء لتدبّر بقائهم بأنفسهم. ويعكس هذا الرقم فجوة تمويلية تقارب مليار دولار، في بلد لا تزال تداعيات الانهيار الاقتصادي والأزمات المتلاحقة تثقل كاهل مؤسساته ومجتمعه.
إذاً، ثمة فجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية في لبنان والتمويل الدولي المتاح، ما يدفع إلى طرح سؤال أساسي: هل تستطيع الدولة اللبنانية تحمّل كلفة الاستجابة لأزمة النزوح والفقر في ظل محدودية مواردها، ومخاطر استمرار الاعتماد على المنح الخارجية بديلاً من الإنفاق العام؟
وفي تفاصيل المؤشر الصادر عن المفوضية، تستهدف خطة الاستجابة اللبنانية لعام 2026 نحو 1.5 مليون شخص من الفئات الأكثر حاجة إلى المساعدة والحماية، بمن فيهم لبنانيون يعانون الهشاشة الاقتصادية، ونازحون سوريون، ولاجئون فلسطينيون، ومهاجرون. وتشمل الاستجابة قطاعات أساسية، من الأمن الغذائي والصحة والتعليم، إلى المأوى والمياه والحماية الاجتماعية وسبل العيش. وقد أُعدّت الخطة بالشراكة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، وبمشاركة 155 منظمة وشريكاً دولياً ومحلياً.
لكن محدودية التمويل تطرح تساؤلات حول قدرة الجهات المعنية على تلبية الاحتياجات المتزايدة، خصوصاً في ظل ارتفاع مستويات الفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتضرر مصادر الدخل، واستمرار تداعيات الأزمات الأمنية والاقتصادية. فكل تراجع في الموارد المتاحة قد يفرض تقليصاً لنطاق المساعدات أو إعادة ترتيب الأولويات، بما يترك الفئات الأكثر هشاشة أمام مخاطر اجتماعية ومعيشية إضافية.
الحماية الاجتماعية: مسؤولية الدولة أم رهينة التمويل الخارجي؟
تتجاوز دلالات هذا المؤشر مسألة نقص الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية، لتصل إلى طبيعة النموذج الذي اعتمدته الدولة اللبنانية في التعامل مع الحماية الاجتماعية. فعندما يصبح تأمين جانب أساسي من احتياجات الفئات الفقيرة والنازحة مرتبطاً بالمنح الخارجية، تبرز مخاطر عدم استقرار التمويل واستمرارية البرامج، ولا سيما عندما تتراجع مساهمات المانحين أو تتجه أولوياتهم نحو أزمات أخرى.
ولا يعني ذلك أن التمويل الخارجي غير ضروري، إذ شكّلت المساعدات الدولية ركيزة أساسية للاستجابة للأزمات في لبنان. إلا أن الاعتماد عليها وحدها لا يمكن أن يشكّل بديلاً مستداماً من سياسة اجتماعية وطنية واضحة، ممولة من الموازنة العامة، وقادرة على تحديد الفئات الأكثر حاجة وتوفير الحد الأدنى من الحماية لها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وتطوير قواعد بيانات موحدة للمستفيدين، وضمان الشفافية في توزيع المساعدات، بما يحد من الهدر والتداخل بين البرامج، ويعزز قدرة الدولة على توجيه الموارد المحدودة نحو الفئات الأكثر تضرراً.
فجوة التمويل ومخاطر اتساع التهميش
إن الفجوة بين الاحتياجات التمويلية والمبالغ المتاحة لا تعكس مجرد عجز في حسابات خطة إنسانية، بل تكشف حجم التحدي الذي يواجه لبنان في ظل تراجع قدرته المالية ومحدودية شبكات الأمان الاجتماعي. فحين لا تتوافر الموارد الكافية لتأمين الغذاء والصحة والتعليم والمأوى، تتفاقم مخاطر التهميش، وتتراجع فرص التعافي الاقتصادي، وتزداد الضغوط على المجتمعات المضيفة والخدمات العامة.
وتزداد أهمية هذا التحدي مع استمرار تداعيات التصعيد الأمني خلال عام 2026. فقد أعلنت الأمم المتحدة، في أيلول الماضي، ملحقاً إضافياً لخطة الاستجابة يطلب 385.88 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الإنسانية والاستقرارية الإضافية خلال الفترة الممتدة من أيلول إلى كانون الأول 2026، بما يعكس حجم الضغوط المستجدة على قدرات الاستجابة.
وفي هذا السياق، لا يكفي انتظار تحسّن التمويل الدولي، بل تبرز ضرورة وضع استراتيجية متكاملة تربط المساعدات الطارئة بسياسات الحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وتعزز قدرة المؤسسات العامة على تقديم الخدمات الأساسية، وتحد من تحوّل الفقر والحاجة إلى واقع دائم.
من يسدّ الفجوة؟
إن حصول لبنان على نحو 38% فقط من التمويل المطلوب يضع الحكومة والجهات المانحة أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن تأمين استمرارية المساعدات في ظل محدودية الموارد وتزايد الاحتياجات؟ وما حجم المسؤولية التي ينبغي أن تتحملها الدولة من خلال الموازنة العامة، بدلاً من ترك جانب أساسي من الحماية الاجتماعية رهينة مساهمات خارجية غير مضمونة؟
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في نقص التمويل وحده، بل أيضاً في غياب ضمانات الاستدامة. فالمساعدات الخارجية ضرورية لتخفيف الأعباء الإنسانية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور الفقر والتهميش. ويحتاج لبنان إلى الانتقال من إدارة الأزمات عبر المنح الطارئة إلى بناء نظام حماية اجتماعية مستدام، يضمن الحد الأدنى من الحقوق المعيشية، ويجعل الدعم الاجتماعي جزءاً ثابتاً من السياسات العامة، لا استجابة مؤقتة تتوقف على حجم التمويل الدولي.
ليبانون ديبايت-باسمة عطوي
- شارك الخبر:
